يحيي بن حمزة العلوي اليمني

181

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وليل كوجه البرقعيديّ مظلم * وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومى فيه نوم مشرّد * كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه التفات كأنه * أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا وجه الصباح كأنه * سنا وجه قرواش وضوء جبينه فانظر إلى ما أودعه في هذه الأبيات من هجاء هؤلاء الثلاثة في أبيات ثلاثة وتخلص في البيت الرابع بأحسن الخلاص في مدح شرف الدولة ، وهذه الأبيات أحسن ما يورد في أمثلة التخليص . فهذا ما أردنا ذكره في أمثلة التخليصات . الضرب الثاني في [ الاقتضاب ] وهو نقيض التخليص ، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو بصدده ثم يستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك من أفانين الكلام ، لا يكون بين الأول والثاني ملائمة ولا مناسبة ، وهذا هو مذهب الشعراء المتقدمين من العرب كامرئ القيس والنابغة وطرفة ولبيد ، ومن تلاهم من طبقات الشعراء ، فأما المحدثون من الشعراء كأبى تمام وأبى الطيب وغيرهم ممن تأخر فإنهم تصرفوا في التخليصات فأبدعوا فيها وأظهروا كل غريبة كما أسلفنا تقريره ، ولنذكر أمثلة الاقتضاب ، فمن كتاب الله تعالى : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ( 48 ) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) [ ص : 45 - 50 ] فصدر الكلام أولا بذكر الأنبياء والثناء عليهم ثم ذكر بعده بابا آخر غير ذلك لا تعلق له بالأول ، وهو ذكر الجنة وأهلها ، ثم لما أتم ذكره عقبه بذكر النار وأهلها بقوله هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) [ ص : 55 ] فانظر إلى هذا الاقتضاب الرائق ، والذي حسن من موقعه لفظة « هذا » فإنها جعلت له موقعا أحسن من التخليص ، وورودها في المنثور أكثر من ورودها في المنظوم ، وقد قررنا فيما سبق حسن موقعها ، ومن محاسن الاقتضاب قول القائل : أما بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله فإنها تأتى لقطع الكلام الأول عن الثاني ، وهذه اللفظة قد أجمع أهل التحقيق من علماء البيان على أنها هي فصل الخطاب الذي أراد